كتاب وادباء

أمية المصطفى إعجاز ومدح ..لا ذم فيها ولا قدح

 بقلم الأديب الشاعر

سلطان ابراهيم k

سلطان ابرهيم المهدى

صلى الله عليه وسلم

بالأمس كنا في ندوة برابطة الأدب الإسلامي نحتفي فيها برسولنا الكريم شعرا ولكن حدث أن طرحت أحدى الباحثات الموجودات طرحا وكررته على صفحتها وقد رددنا عليها في حينها  ورأيت أن أسطر الرد مرة أخرى  فهي تقول في وجهة نظرها :(رسول الله صلى الله عليه وسلم لقب بالأميّ نظرًا لانتسابه لمكة أم القرى وليس لجهله بالقراءة والكتابة..وبناءً عليه فلا ينبغي لأهل اللغة والفصاحة أن يتداولوا كلمة (الأمية) باعتبارها المرادف للجهل بالقراءة والكتابة.

لذلك ألتمس من أهل اللغة والفصاحة والبيان تبديل كلمة الأمية بكلمة (الجهل بالقراءة والكتابة) فيصبح مفهوم محو الأمية مختلفًا ليكون (محو الجهل بالقراءة والكتابة).)

وربما يلتبس الأمر على غيرها لذا اردت أن أسطر لها ولغيرها ما أراه صوابا :هنالك نقطاتان مهمتان نتمنى توضيحهم لك يا استاذة

النقطة الأولى :لا شك أن النبي الكريم محمداً صلى الله عليه وسلم قد ولد أمياً، وظل على ذلك إلى أن بعث وهو أمي، وهذا كمال في حق النبي صلى الله عليه وسلم، ومعجزة من معجزاته الشريفة، قال الله تعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)[الجمعة:2].

وفي وصف الرسول الأمي بأنه يتلو على الأميين آيات الله أي وحيه، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب أي يلقنهم إياه، كما كانت الرسل تلقن الأمم الكتاب بالكتابة، ويعلمهم الحكمة التي علمتها الرسل السابقون أممهم، في كل هذه الأوصاف تحد بمعجزة الأمية في هذا الرسول صلى الله عليه وسلم فهو مع كونه أمياً قد أتى أمته بجميع الفوائد التي أتى بها الرسل غير الأميين أممهم لا ينقص عنهم شيئاً، فتمحضت الأمية للكون معجزة حصل من صاحبها أفضل مما حصل من الرسل الكاتبين مثل موسى. وفي وصف الأمي بالتلاوة، وتعليم الكتاب والحكمة، وتزكية النفوس، ضرب من محسن الطباق، لأن المتعارف عليه أن هذه مضادة للأمية. أفاده العلامة بن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير(13/209).

ولا شك أن إبقاء الله لنبيه على الأمية كان لحكمة عظيمة، قال الفخر الرازي عند قوله تعالى: (رسولاً منهم) يعني محمداً صلى الله عليه وسلم نسبه من نسبهم، وهو من جنسهم، كما قال تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) [التوبة:128] قال أهل المعاني: وكان هو صلى الله عليه وسلم أيضاً أمياً مثل الأمة التي بعث فيهم، وكانت البشارة به في الكتب قد تقدمت بأنه النبي الأمي، وكونه بهذه الصفة أبعد من توهم الاستعانة على ما أتى به من الحكمة بالكتابة، فكانت حاله مشاكلة لحال الذين بعث فيهم، وذلك أقرب إلى صدقه. التفسير الكبير(10538) للرازي.

ومن الآيات التي تشير إلى الحكمة من كونه أمياً قوله تعالى: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون)[العنكبوت:48] قال ابن عاشور: (هذا استدلال بصفة الأمية المعروف بها الرسول صلى الله عليه وسلم، ودلالتها على أنه موحى إليه من الله أعظم دلالة، وقد ورد الاستدلال بها في مواضع كقوله: (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان)[الشورى:52] وقوله: (فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون)[يونس:16]. ومعنى: (ما كنت تتلو من قبله من كتاب) إنك لم تكن تقرأ كتاباً حتى يقول أحد: هذا القرآن الذي جاء به هو مما كان يتلوه من قبل.

(ولا تخطه) أي لا تكتب كتاباً، ولو كنت لا تتلوه، فالمقصود نفي حالتي التعلم، وهما: التعلم بالقراءة، والتعلم بالكتابة، استقصاء في تحقيق وصف الأمية…(بل هو آيات بينات في صدور الذي أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون)[العنكبوت:49] .. أي بل القرآن آيات ليست مما كان يتلى قبل نزوله، بل هو آيات في صدر النبي صلى الله عليه وسلم. فالمراد من (صدور الذين أوتوا العلم) صدر النبي صلى الله عليه وسلم عبر عنه بالجمع تعظيماً له، والعلم الذي أوتيه النبي صلى الله عليه وسلم هو النبوة ) التحرير والتنوير(10/12).

و يحسن بنا هنا أن نشير إلى جواب سؤال مهم وهو: هل ظل الرسول صلى الله عليه وسلم على أميته إلى أن توفي؟ أم تعلم القراءة والكتابة بعد أن بعث بفترة؟ وهل قرأ الرسول صلى الله عليه وسلم كتاباً؟ وهل كتب بيده الشريفة صلى الله عليه وسلم؟

وللجواب عن هذا السؤال نقول : نقل الإمام النووي عن القاضي عياض الخلاف في ذلك، وعزى إليه أن الباجي وغيره ذهبوا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى كتب، كما في قصة صلح الحديبية من رواية البخاري وفيه: “أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب، فكتب” وزاد عنه في طريق آخر” ولا يحسن أن يكتب فكتب” قالوا: وهذا لا يقدح في أميته. بينما ذهب الأكثرون إلى منع ذلك كله. وقالوا: قوله “كتب” أي: أمر بالكتابة.. إلخ. انظر صحيح مسلم كتاب الجهاد، باب صلح الحديبية في الحديبية بشرح النووي(6/381)

النقطة الثانية : أن كلمة الجهل ليست ضد العلم فقط ولكنها ضد الحلم كما جاء في حديث البخاري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) رواه البخاري وأبو داود واللفظ له ].قوله عليه الصلاة والسلام: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل؛ فليس لله حاجة…) الجهل له مدلولان: جهل ضد العلم، وجهل ضد الحلم، فالجهل ضد العلم هو جهل الإنسان بما لا يعلم ويعلمه غيره، فنحن مثلاً نجهل علوم الفلك، ونجهل علوم الذرة، هذا جهل ضد العلم، وليس كل جهل مذمة، إذا كان في حدود الطاقة، وفي حدود العامة، هذا أمر عادي؛ لأن الناس كلهم لن يكونوا سواء في العلم، وهذا ليس مطلوباً؛ لأن العلم موجود في الأمة في أفرادها، وفي بعض الجماعات، ولكن الجهل أمر نسبي، ولا ينبغي للمسلم أن يكون جاهلاً جهلاً ضد العلم فيما يلزمه من ضروريات الدين، لا يحق لإنسان أن يدعي الجهل بأحكام الصلاة؛ لأنها ضرورية وفرض عين، كذلك لا يصح لإنسان أن يدعي الجهل أو يكون فعلاً جاهلاً بأحكام الصيام أو جاهلاً بأحكام الزكاة، ومعرفة الأنصباء إذا كان من أهلها، وكذلك من أراد أن يحج لا ينبغي له أن يكون جاهلاً بأحكام الحج، هذا من الناحية الدينية، ووجوب طلب العلم لما يلزمه عمله.

والجهل الثاني ضد الحلم، وهو -كما يقولون-: التعدي، الحماقة، إساءة الأدب، انتهاك الحرمات، وقد قال الشاعر الجاهلي:

ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا

الجهل هنا ضد الحلم، ومراده: لا يأتي إنسان يغضب علينا، فإذا غضب علينا إنسان غضبنا عليه أكثر من غضبه، فتكون:المقابلة بالمثل وزيادة، وهذا الجهل هو المراد هنا: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل) أي: ضد الحلم، ومنه تسمية ما قبل البعثة بالجاهلية، فكلمة (الجاهلية) ليست جهلاً عن كل علم، فالعرب كانت عندهم علوم الطب، وعلوم النجوم، وعلوم السير… فهذه أشياء كانوا يعلمونها، ما وصفوا بالجهالة التي ضد العلم، ولكن وصفوا بالجهالة التي ضد الحلم، على أتفه الأسباب تقوم الحروب بينهم، حرب داحس والغبراء كانت على فرسين، وحرب يوم ذي قار، وغير ذلك، كانت العرب في الجاهلية قد تقوم الحرب بينهم على أتفه الأسباب، وهذا من الجهل الذي هو ضد الحلم.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى