تقارير وملفات إضافية

“أمنها مقابل نفطنا”.. فورين بوليسي لترامب: هذا هو الحل لردع السعودية عن حرب أسعار النفط

لم يكن قرار وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان شنِّ حرب أسعار نفط، في ظلِّ جائحةٍ عالميةٍ كارثية، قراراً مواتياً على الإطلاق للولايات المتحدة. فهو يُهدِّد بخسائر فادحة لصناعة النفط الصخري الأمريكية التي أصبحت على مدار العقد الماضي رافعةً مهمةً للنمو الاقتصادي الأمريكي والأمن القومي، كما تقول مجلة Foreign Policy الأمريكية.

أخبر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شبكة CNBC الأمريكية، الخميس 2 أبريل/نيسان، بأن المملكة السعودية وروسيا اتفقتا على خفض إنتاج النفط. ولم يتضح بعد ما إذا كانت هناك صفقةٌ قد تم التوصُّل إليها، إذ تنكر المملكة السعودية أي خططٍ لخفض الإنتاج. لكن ترامب أدرك مُتأخِّراً أن إنقاذ حطام صناعة النفط الأمريكية التي دمَّرها انهيار الأسعار لابد أن يكون أحد أولى أولوياته. 

الجمعة، قال مصدر لوكالة رويترز، إن وزير الطاقة الأمريكي دان برويليت أبلغ المسؤولين التنفيذيين بصناعة النفط خلال اتصال إن البيت الأبيض لا يتفاوض مع السعودية أو روسيا بشأن اتفاق لخفض إنتاج النفط ويريد توصل الطرفين إلى اتفاق فيما بينهما.

وتحدث برويليت مع المنتجين المستقلين والأعضاء الآخرين في صناعة النفط بشكل أوسع بعد فترة وجيزة من لقاء ترامب مع مسؤولين تنفيذيين من شركات النفط الكبيرة في البيت الأبيض لبحث تهديد الهبوط الحاد في أسعار النفط بإرباك أعمالهم. وقال برويليت إن البيت الأبيض يشجع روسيا والسعودية على التوصل لاتفاق قائلاً إن ترامب متفائل بإمكان التوصل لاتفاق خلال بضعة أيام.

واتَّجَه السعوديون لإغراق الأسواق بالنفط مطلع مارس/آذار، بعدما رَفَضَت روسيا طلب الرياض لدعم أسعار النفط العالمية بجولةٍ جديدةٍ من خفض الإنتاج. وادَّعى مسؤولون روس أن المستفيد الرئيسي من التحفُّظ السعودي-الروسي منذ عام 2017 هو صناعة النفط الصخري الأمريكية، التي استفادت من أسعار النفط المرتفعة من أجل زيادة الإنتاج والاستحواذ على حصةٍ أكبر من السوق. 

وبعدما رُفِضَ الطلب من موسكو، عَكَسَ محمد بن سلمان استراتيجيته بين ليلةٍ وضحاها -من خفض الإمدادات من أجل استقرار الأسعار إلى إغراق السوق من أجل تحطيم هذه الأسعار. وخَفَضَ السعوديون الأسعار بينما تعهَّدوا بضخِّ 2.5 مليون برميل إضافي في اليوم الواحد في الأسواق المُتشبِّعة بالفعل. وعلى الفور سجَّلَت أسعار النفط أكبر خسائرها في غضون 30 عاماً، وانخفضت في أواخر مارس/آذار بأكثر من 60% من مستوياتها في أواخر 2019. 

تتنوَّع التفسيرات لذلك التحوُّل في استراتيجية محمد بن سلمان. هل كان قراراً مُتهوِّراً لمعاقبة الروس على تعنُّتهم؟ هل كان استعراضاً موجزاً للقوة لإرغام موسكو على التفاوض؟ أم أن هناك نهجاً طويل الأمد لجنون وليّ العهد في شكل استراتيجيةٍ ترمي إلى تغيير أسواق النفط جذرياً، ربما من خلال دفع المُنتِجين الأعلى سعراً إلى الإفلاس؟ 

أيّاً كانت نوايا السعوديين، فإن تأثير ذلك على المصالح الأمريكية واضح. إذ جاء قرار الرياض على وجه التحديد حين صار الاقتصاد العالمي موشكاً بالفعل على الانهيار بسبب جائحة كورونا الآخذة في التسارع. وقد أسهم الانهيار المُفاجِئ في سعر السلعة الأهم في العالم في تصعيد الذعر وحالة السيولة التي تسبَّبَت في هبوط الأسواق المالية. 

وإذا استمرَّت حرب الأسعار ستكون بمثابة حكمٍ أكيدٍ ووشيكٍ بالإعدام لأغلبية مُنتِجي النفط الصخري الأمريكيين، الذين كانوا يعانون بالفعل من ارتفاعٍ في الديون وانهيارٍ في الطلب على وقود الطائرات، والبنزين، والوقود، في ظلِّ إغلاقٍ عالمي ومنعٍ لرحلات السفر. وإن لم يكن تخريب ذلك القطاع الاستراتيجي من الاقتصاد الأمريكي عنصراً في قرار محمد بن سلمان، فمن شبه المؤكد أنه أحد نتائج هذا القرار. 

إذ عرَّض القرار، بين ليلةٍ وضحاها، عشرات الآلاف من الوظائف الأمريكية عالية الأجر للخطر، وسدَّد ضربةً من المُحتَمَل أن تكون قاضيةً ضد قطاع النفط الصاعد، الذي أصبح أصلاً حاسماً في جهود واشنطن لكبح جماح أندادها الأغنياء بالنفط في بلدانٍ مثل إيران وفنزويلا. وبمجرد أن تغرق صناعة النفط الصخري في سيلٍ هائلٍ من الإفلاس وآبار النفط المهجورة، ستكون المخاطر عالية بأن تكلفة استعادة هذه الصناعة في المستقبل المنظور قد تكون باهظة. 

من المهم أن تنظر الولايات المتحدة إلى القرار السعودي كما هو باعتباره قراراً غير مسؤولٍ وغير مواتٍ. بدا ردُّ فعل ترامب على انخفاض الأسعار -بتركيزه حصرياً على ما سيحصل عليه المُستهلِكون الأمريكيون من ادَّخارٍ للتكاليف- غريباً بشكلٍ خاص. في السنوات الأخيرة، لم يكن سعر البنزين قضيةً ذات شأنٍ بالنسبة لمعظم الأمريكيين، ومن السهل رصد ذلك بملاحظة المبيعات المزدهرة للشاحنات كثيفة الاستهلاك وسيارات الدفع الرباعي. علاوة على أنه، في سياق الجائحة الحالية، يعلق أغلب الناس في منازلهم غير قادرين على الاستفادة من انخفاض أسعار الوقود. وهذه الفوائد لصالح الاستهلاك تفوقها بكثير التهديدات الاقتصادية والمالية، إضافةً إلى التهديدات المُتعلِّقة بالأمن القومي، التي يفرضها الدمار المُحتَمَل لصناعة النفط الصخري. 

تقول “فورين بوليسي”، لقد فهِمَ مسؤولون أمريكيون رئيسيون هذه النقطة قبل ترامب. ففي 16 مارس/آذار، كَتَبَ 16 سيناتوراً خطاباً إلى محمد بن سلمان يشجبون فيه القرار السعودي ويدعون المملكة السعودية للعمل على استعادة استقرار أسواق الطاقة. وفي 25 مارس/آذار، اتَّهَمَ 25 سيناتوراً المملكة بـ”الحرب الاقتصادية”، مُهدِّدين بسحب الدعم الأمني الأمريكي وفرض عقوبات. وفي خطوةٍ جيِّدة، قدَّم عضوان في الكونغرس تشريعاً في 27 مارس/آذار بسحب القوت الأمريكية من المملكة. 

وفي 24 مارس/آذار، دعا وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، محمد بن سلمان للتأكيد على “الحاجة إلى الحفاظ على استقرار أسواق الطاقة العالمية”. وبينما كان بومبيو أكثر دبلوماسيةً من أعضاء الكونغرس، كانت رسالته الرئيسية هي نفسها: وضع حدٍّ لحرب الأسعار والعمل استقرار هذه الأسعار. 

لكن للأسف، الدرس الذي تعلَّمه السعوديون في عهد ترامب هو أنهم إذا سمعوا شيئاً من الرئيس مباشرةً، أو من كبار مساعديه، أو من صهره جاريد كوشنر، فبإمكانهم أن يتجاهلوا كلَّ المخاوف التي يعبِّر عنها أيُّ مسؤولٍ أمريكي آخر دون مساءلة، سواء إذا كان الأمر مُتعلِّقاً بالحرب في اليمن، أو مقتل جمال خاشقجي، أو حرب الأسعار الآن. 

يبدو أن ترامب قد اكتسب تقديراً، متأخِّراً، للحصة التي تمتلكها الولايات المتحدة في أسعار النفط، والتي تأتي ليس في صالح المُستهلِكين فحسب، بل المُنتِجين أيضاً. في حوارٍ أُجرِيَ معه في 30 مارس/آذار، قال ترامب: “لم أُفكِّر قط أنني سأقول إننا ربما يتعيَّن علينا زيادة سعر النفط، لأننا نفعل ذلك.. لا نريد أن يكون لدينا صناعة نفط قُضِيَ عليها”. وذكرت وكالة رويترز أنه في مكالمةٍ هاتفية لاحقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، “اتَّفَق الرئيسان على أهمية استقرار أسواق الطاقة العالمية”. 

إن لم يكن خفض الإنتاج السعودي-الروسي الذي أعلنه ترامب قادماً، فإن عليه إذاً أن يقدِّم رسالةً قويةً إلى وليّ العهد السعودي ووالده الملك سلمان. لم يتردَّد ترامب في الماضي في انتقاد السعوديين حين اعتقد أنهم يدمِّرون اقتصاد الولايات المتحدة. وفي عام 2018، قال إنه أخبر الملك سلمان بأنه “لن يبقى في الحكم لأسبوعين” دون الحماية الأمريكية. 

تقول المجلة الأمريكية: لابد أن يقدِّم ترامب رسائل مماثلة لضمان التزام السعوديين بأيِّ صفقةٍ للتراجع عن حرب الأسعار. وأيُّ تهديدٍ بالانفصال عن أهم الحليف الأهم للمملكة السعودية سيمثِّل مشكلةً عويصةً بالنسبة للأمن السعودي، وكذلك بالنسبة لمكانة محمد بن سلمان الشخصية داخل العائلة الملكية. ليس بإمكانه تحمُّل المخاطرة بخسارة ترامب، وهو يخشى غضب ترامب، وعلى الرئيس استغلال هذه الميزة. 

لقد مدَّدَت أزمة جائحة كورونا طيف الحلول على نحوٍ واسعٍ للغاية، بحيث صارت الدول (والقطاعات الاقتصادية المُعرَّضة للخطر) على استعدادٍ للتفكير في الكارثة التي تحلُّ عليهم الآن. 

ربما من المفارقة أن الولايات المتحدة تهاجم الآن الرياض على دفع الأسعار للانخفاض بشدة، بعد عقودٍ من انتقاد السعوديين على الإبقاء على الأسعار مرتفعةً للغاية. لكن من الجدير الآن استدعاء المساومة الجوهرية التي تقبع في القلب من العلاقة الأمريكية-السعودية. ففي مقابل ضمان الولايات المتحدة أمن المملكة، تعهَّدَت السعودية بتوفير الحصول على نفطها بأسعارٍ معقولة. وقد يتنازع الناس حول معنى كلمة “معقولة”. 

تقول المجلة الأمريكية: في عالمٍ تظلُّ فيه الولايات المتحدة هي القوة الوحيدة الواقفة بين المملكة السعودية وإيران المُعادية، فإن من حقِّ واشنطن أن تهاجم أيَّ استراتيجيةٍ نفطية تُقوِّض أسس القوة الاقتصادية الأمريكية والأمن القومي الأمريكي -بصرف النظر عمَّا إذا كانت الاستراتيجية السعودية سترفع الأسعار بشدَّة أم تخفضها بحِدَّة. وسواء استمرَّت صناعة النفط الصخري الأمريكية في حالتها الراهنة أم لا، فما دمَّرَته حرب الأسعار الجارية بالفعل هو مفهوم “الاستقلال الأمريكي” في حقل الطاقة. فحين يكون بمقدور دولةٌ أجنبية دفع قطاعٍ من الاقتصاد إلى حافة الفناء بجرَّةِ قلم، فكلمة “الاستقلال” لا مجال لها هنا. 

وبخلاف أيِّ إصلاحاتٍ قصيرة الأمد لحرب الأسعار، لا تزال الولايات المتحدة بحاجةٍ إلى استراتيجيةٍ طويلة الأمد لضمان أمنها الحقيقي في مجال الطاقة. ربما تكون الخطوة الأولى التي قد تُتَّخَذ هنا هي كسر احتكار النفط لقطاع النقل. لعلَّ المركبات الكهربائية إجابةٌ من إجاباتٍ كثيرة، وكذلك العربات المُسيَّرة بالإيثانول المُستَخلَص من الغاز الطبيعي. ومن شأن هذا المثال الأخير أن يخلق سوقاً واسعةً لقطاع الطاقة الأمريكي، بينما يقلِّص احتمالية التعرُّض لتقلُّبات أسواق النفط العالمية التي لا تزال واقعةً بشدة تحت تأثير حكوماتٍ نادراً ما تضع اعتباراً للمصالح الأمريكية. 

بيد أنه حتى الآن تحدِّق كلُّ الأعين صوب ترامب ومحمد بن سلمان. لابد أن ينقذ ترامب النفط الصخري الأمريكي من السعوديين -وأن يضمن أن أيَّ صفقةٍ لخفض الإنتاج مرةً أخرى وتحقيق استقرارٍ للأسعار سوف تشهد التزاماً حقيقياً.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى