تقارير وملفات إضافية

أمريكا الصاخبة وروسيا الدبلوماسية والصين الصامتة يشكلون شرق أوسط جديداً

طرح قرار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، سحب بضع مئات من الجنود من شمال شرقي سوريا تساؤلات أكثر عمقاً حول النفوذ الأمريكي في المنطقة بشكل عام، وعما يمكن أن يكون عليه الشرق الأوسط الجديد في ظل تعاظم نفوذ روسيا والصين مقابل تقلُّص نفوذ واشنطن، التي «امتلكت» المنطقة عقوداً طويلة.

مجلة نيوزويك الأمريكية تناولت القصة بالتحليل، في تقرير مطول بعنوان: «الشرق الأوسط الجديد: الجيش الأمريكي والدبلوماسية الروسية والأموال الصينية».

يبدو أنَّ انسحاب الولايات المتحدة من شمال سوريا لم يكن مجرد نتيجة قرار مفاجئ اتخذه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بل هو نتاج تحوُّلٍ طويل منتظم في ميزان القوى بجميع أنحاء الشرق الأوسط، حيث تؤسِّس روسيا والصين لنفسيهما أدواراً قيادية جديدة.

وقد كان التنازل الأخير عن المواقع العسكرية الأمريكية بمدينة منبج الواقعة في شمال سوريا، للقوات الروسية، والذي كانت مجلة نيوزويك أول من نشرت عنه- لحظةً رمزية في هذا الاتجاه، وهو خطوةٌ رافقها تحرُّك قواتٍ سورية وروسية نحو عددٍ من المواقع العسكرية التي كانت القوات الأمريكية تسيطر عليها. وقد تزامن ذلك مع زيارتين رفيعتي المستوى أجراهما الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وهما شريكتان مقرَّبتان للولايات المتحدة، صارتا مقتنعتين اقتناعاً متزايداً بنفوذ روسيا في المنطقة. 

ويوم الثلاثاء 22 أكتوبر/تشرين الأول، ومع اقتراب نهاية وقف إطلاق النار الفاشل الذي يستمر خمسة أيام والذي توسَّطت فيه واشنطن بين القوات التي تقودها تركيا والقوات الكردية، كان بوتين هو الذي جلس مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان؛ على أمل التوصُّل إلى حلٍ أكثر استدامة لمشكلته مع القوات الكردية. غير أنَّ الرئيس الروسي ما زال مُطالَباً بإثبات أنَّه صانع سلام، بعدما أصبحت جميع ضغوط حل هذا الصراع المستمر منذ عقود، تقع على عاتقه في الأساس.

وفي هذا الصدد، قال مكسيم سوشكوف، وهو خبيرٌ في مجلس الشؤون الدولية الروسي ومُحاضِرٌ بمعهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية، للمجلة الأمريكية: «الأيام القليلة الماضية تمثل بداية حقبة جديدة في سياسات الشرق الأوسط».

وأضاف: «لقد عززت روسيا بالفعل صورتها كقوةٍ موازِنة خارجية، ووسيطٍ ذي نفوذ في المنطقة، واكتسبت بعض الفرص على الأرض بسوريا، لكنَّها لم تستفد منها حتى الآن».

وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ توقيت تدخُّل روسيا بسوريا في خريف عام 2015، كان استراتيجياً لعدة أسباب؛ فقد أتى في الوقت المناسب، لدعم قوات نظام بشار الأسد التي كانت مُحاصَرة آنذاك، والميليشيات المتحالفة معها، التي حُشِدَت بمساعدة إيران، والتي كانت تواجه انتفاضة متصاعدة من الجهاديين، وتزامن كذلك مع بدء الولايات المتحدة إعادة التفكير في تحالفها مع هذه المعارضة التي يهيمن عليها الإسلاميون، وشراكتها مع قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد، من أجل محاربة تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش).

وأبدت موسكو في وقتٍ مبكر، شكوكها حيال مخططات واشنطن بسوريا، التي تعد واحدة من دولتين قوبلت فيهما احتجاجات «الربيع العربي» التي اندلعت في عام 2011، بقمعٍ حكومي وسرعان ما تحولت إلى حرب أهلية. والأولى كانت ليبيا، التي كانت خاضعةً منذ فترةٍ طويلة لقيادة معمر القذافي، الذي أدِين في الغرب -مثل بشار الأسد- بارتكاب جرائم حرب مزعومة.

ففي غضون أسابيع من اندلاع الانتفاضة في ليبيا، قدَّمت الولايات المتحدة دعمها لتحالفٍ تابع لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، فرض منطقة حظر جوي لدعم المتمردين، وضرب في نهاية المطاف موكباً كان يضم سيارةً يستقلها القذافي، الذي سرعان ما قبض عليه مجموعةٌ من المتمردين الليبيين وأعدموه، تاركةً الفصائل المتناحرة تتنافس على قيادة البلاد، التي ليس لها رئيسٌ حتى الآن، وما زالت مُقسَّمة بين حكومتين متنافستين.

لذا امتنعت روسيا عن التصويت على قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشأن ليبيا، وسعت -بسبب استيائها من سقوط القذافي- إلى ضمان قدرة الأسد على الصمود في سوريا، التي تعد شريكة لروسيا منذ الحقبة السوفييتية، وتستضيف الآن قاعدتين عسكريتين روسيتين على الأقل على سواحل البحر المتوسط. وفي الوقت الذي ساعدت فيه القوات الروسية في قلب مجرى الحرب، انضمت تركيا، العضوة بحلف الناتو، إلى روسيا وإيران المواليتين للأسد، من أجل إجراء محادثات سلام ثلاثية، لمنح قوات المعارضة بعض النفوذ.

وقد قاطعت واشنطن هذه المحادثات، ويرجع أحد الأسباب الرئيسية لذلك إلى رفضها للأسد وعدائها لطهران. وصحيحٌ أنَّ مشاهد استيلاء القوات الروسية على المواقع العسكرية التي انسحبت منها أمريكا في سوريا، واجتماعات بوتين العديدة مع القادة الإقليميين، ومن ضمنهم أردوغان، قد ترمز إلى سيطرةٍ تامة من جانب موسكو، لكنَّ بعض الخبراء أكَّدوا أنَّ الأمر ليس كذلك بالضبط.  

إذ قال سوشكوف لـ «نيوزويك»: «موسكو ليست لديها أي نية لـ (امتلاك) الشرق الأوسط، ولا تملك الموارد اللازمة لفعل ذلك. لذا يمكن القول إنَّ خطة روسيا الاستراتيجية تتمثَّل في إقامة (نظامٍ عالمي متعدد المراكز)، لا تهيمن عليه الولايات المتحدة، بل يشهد مشاركة عددٍ أكبر من الدول غير الغربية».

وأضاف: «التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط تعبر عن هذا الهدف، ولكن على المستوى التكتيكي، تلعب روسيا لعبةً خاصة بها، وجميع التحركات التي تتخذها تسعى إلى جلب الاستثمارات الاقتصادية ومبيعات الأسلحة إلى موسكو، بالإضافة إلى تعزيز مواقفها عبر الوساطة الدبلوماسية». 

ومن جانبه يتفق صمويل راماني، المرشح لنيل الدكتوراه في جامعة أوكسفورد، مع هذا الرأي، إذ قال للمجلة الأمريكية: «هناك اعتقادٌ خاطئ شائع بأنَّ روسيا تحاول حل محل الولايات المتحدة»، لكنَّها في الواقع «لا تحاول أن تكون الضامن الأمني».

وأضاف: «ما نراه هو نظامٌ في الشرق الأوسط يتداخل فيه ثلاثة أقطاب تداخلاً متزايداً: الولايات المتحدة تؤدي دور الضامن الأمني، والصين تبرز باعتبارها قوة اقتصادية رئيسية، في حين تعد روسيا الطرف الفاعل الوحيد الذي يستطيع أن يسهم في تخفيف حدة التوترات. أي إنَّ روسيا لا تحاول مناطحة الصين اقتصادياً، وليست لديها قدرة الاستمرارية اللازمة لمنافسة الولايات المتحدة عسكرياً، لذا فهي تسعى للاضطلاع بالدور الدبلوماسي في حل الأزمات».

فمنذ بداية تدخُّلها في النزاع السوري إلى جانب النظام السوري، أبقت موسكو قنوات اتصالٍ مفتوحة مع جميع الأطراف الفاعلة الرئيسية، وضمن ذلك إيران، التي كانت تدعم الأسد بالفعل، وخصما الجمهورية الإسلامية الرئيسيان: إسرائيل والمملكة العربية السعودية، اللتان كانتا تدعمان المعارضة.

وقد عززت عملية أستانا، التي جمعت تركيا وإيران معاً، مكانة روسيا الوسطية، إذ جمعت ممثلي النظام والمعارضة. وبينما استُبعِدَت قوات سوريا الديمقراطية من المحادثات التي تدعمها الأمم المتحدة لإقامة دستور سوري جديد، حافظت موسكو على علاقاتها مع القوات الكردية بشكلٍ منفصل، ومنذ ذلك الحين أثبتت أنها ذات أهمية حيوية في تسهيل محادثات تلك القوات مع النظام السوري.

وقال راماني متحدثاً عن روسيا: «إنها الدولة الوحيدة التي يمكنها التحدث مع جميع الأطراف، فهي تفعل ذلك مع إسرائيل وإيران، ووحدات حماية الشعب والجيش السوري، إنها في الحقيقة تجمع الأطراف بعضها مع بعض»، مضيفاً أنَّ روسيا تحاول «كذلك إيجاد أرضية مشتركة بين المملكة العربية السعودية وإيران» وأنَّها قد توسع دورها في الأزمات الجارية بليبيا واليمن.

وصحيحٌ أنَّ الحكومات الإسلامية السُّنية في شبه الجزيرة العربية لطالما كانت شريكاً مقرباً للسياسة الخارجية الأمريكية، واعتنقت خطاب ترامب المعادي لإيران بسرور، لكنَّ راماني أوضح كيف أصبحت موسكو هي الحَكم المُفضَّل المحتمل بالنزاعات، في الوقت الذي تُعزِّز فيه الهجمات على ناقلات النفط والغارات على منشآت النفط السعودية من خطر نشوب صراع بمنطقة الخليج.

إذ قال لمجلة نيوزويك: «روسيا تستثمر بنشاطٍ كبير في القوة الناعمة، وتخاطب ود الزعماء العرب والشعوب العربية كذلك. فهي لا تتدخل في الشؤون الداخلية لهذه البلدان، المتعلقة بحقوق الإنسان والاستبداد، بل تهتم بكياسة الدولة اهتماماً أكبر من طبيعتها، ولا تتدخل في شؤونها الداخلية». 

يقول راماني إنه في الوقت الذي تضغط فيه موسكو على جامعة الدول العربية لإنهاء تعليقها عضوية سوريا عام 2011 بسبب انتهاكات حقوق الإنسان المزعومة- تعمل روسيا على إشراك الدول العربية في سوريا للتحوط  ضد إيران وتركيا «الدولتين غير العربيتين اللتين تكتسبان أرضية في البلد الذي مزقته الحرب».

وفي الوقت نفسه، أدت الصين دور الشريك قليل الحديث في تطور الظروف الدولية بالمنطقة. يُنظر إلى الشرق الأوسط، الذي هو مفترق طرق بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، على أنه نقطة تقاطع مهمة في مبادرة الحزام والطريق التي أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ، والتي يسعى من خلالها إلى إنشاء شبكة عابرة للقارات من مشاريع البنية التحتية.

قد يثبت أن إعادة إعمار سوريا فرصة كبيرة لتوسيع رأس المال الصيني في الشرق الأوسط، فبالإضافة إلى استضافة ميناءي طرطوس واللاذقية السوريين منشآت عسكرية روسية، فقد يشهدان استثمارات صينية كبيرة قريباً. وفضلاً عن ذلك، تتطلع بكين إلى الاستثمار في ميناء طرابلس اللبناني، في حين أصبح لها وجود مالي بالفعل في ميناء حيفا بأقصى الجنوب على البحر المتوسط.

تحدد البوابة الإلكترونية الرسمية لهذه الخطة العالمية نحو 138 دولة تتعاون بأشكال مختلفة مع مبادرة الحزام والطريق الصينية. وتنظر الولايات المتحدة إلى هذه المبادرة على أنها تهديد كبير لهيمنتها الاقتصادية، خاصة في الوقت الذي تخوض فيه بكين وواشنطن حرباً تجارية عالمية في الرسوم الجمركية.

تمكنت الصين أيضاً من إقناع السعودية والإمارات بعقد صفقات تقدَّر بمليارات الدولارات، رغم أنها ظلت الشريك التجاري الأول لإيران، خصمهما، في تحدٍّ للعقوبات الأمريكية. ورحبت بكين أيضاً بدعوة موسكو إلى إقامة إطار أمني إقليمي يشبه «التحالف من أجل الأمل» الذي أقامته طهران، أو خطة هرمز للسلام، التي تهدف إلى الجمع بين إيران وجيرانها العرب، وضمان الاستقرار في منطقة مهمة بالعالم لحركة النفط البحرية وشريان الحياة للصين، وما حولها.

وفضلاً عن ظهور الصين وروسيا المنفصل على الساحة العالمية، سعتا في أغلب الأحيان إلى التعاون أكثر من المنافسة، على الأقل في هذه المرحلة من علاقاتهما، التي يعتبرها كلاهما «الأفضل في التاريخ». وفي حين أن موقف التدريبات البحرية الروسية- الإيرانية- الصينية المشتركة المرتقبة في المحيط الهندي ما زال غير واضح، استفادت بكين من السرعة غير المسبوقة في تدريباتها المشتركة مع موسكو، التي كانت تسعى إلى تعزيز نفوذها الاقتصادي مع الاتحاد الاقتصادي الأوروبي الآسيوي، الذي أصبحت إيران أحدث أعضائه.

وبعد ما يقرب من عقدين من الصراع الطويل والمفتوح في الشرق الأوسط، سعى ترامب إلى تجسيد إرهاق أمريكا إزاء ما دعاه «الحروب التي لا تنتهي». ففي دفاعه عن قراره الانسحاب من سوريا، اقترح الرئيس الأمريكي، الأسبوع الماضي، أن تساعد «روسيا أو الصين أو نابليون بونابرت» سوريا في دعم القوات التي يقودها الأكراد ضد تركيا. ولكن -بخلاف القائد الفرنسي الذي مات منذ فترة طويلة- يبقى لنرى ما إذا كان بإمكان القوتين الصاعدتين النجاح في المكان الذي اختارت الولايات المتحدة الانسحاب منه.

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى