كتاب وادباء

أما البيت , فحسن… أما ساكنه , فردئ..!؟

بقلم الأديب الكاتب

السعيد الخميسى k

السعيد الخميسي

* فى معترك هذه الحياة المضطربة , وفى خضم هذه الأمواج العاتية , ووسط هذه الريح العقيم من الانقسامات والخلافات والاتهامات , والتى عصفت بكل ثوابت وقيم المجتمع , والتى ماتركت من شئ أتت عليه إلا جعلته كالرميم , ينسى الإنسان أنه إنسان . ينسى أو يتناسى أن نفسه الأمارة بالسوء كجهاز الحاسب الآلي , تحتاج من وقت لآخر إلى نسخة جديدة بدلا من النسخة القديمة التي خربت وسقطت بسبب سوء الاستخدام ولكثرة الآثام والجراثيم والفيروسات التي أفسدتها. ومن ثم توقفت كل البرامج المتعلقة بالنسخة العقلية فى رأس هذا الإنسان . إن النفس البشرية كالغصن الطري فى بداية نموه , يمكن إصلاحها فى بداية الطريق قبل أن تستعصى على الإصلاح . يقول الشاعر الحكيم :

ينسى-الإنسان-أنه-إنسان

إن الغصون إذا قومتها اعتدلت … ولا يلين إذا قومته الخشب .

قد ينفع الأدب الأحداث فى صغر… وليس ينفع عند الشيبة الأدب . وقال آخر:

والنفس كالطفل إن تهمله شب على…  حب الرضاع  وإن تفطمه ينفطم .

كم حسنت لذة للمرء قاتلة … من حيث لم يدر أن السم فى العسل .

* وسط زحام الحياة , ووسط هذا الركام المتراكم كالجبال فوق رؤوس الخلائق , ينسى ابن آدم أن يحاسب نفسه على مواقفها الأخلاقية والسلوكية والسياسية تجاه كل القضايا المطروحة على أرض الوطن .  ينسى الإنسان أن راحة الجسم فى قلة الطعام , وراحة النفس فى قلة الآثام , وراحة اللسان فى قلة الكلام , وراحة القلب فى قلة الاهتمام . إنها فرصة ذهبية فى هذا الشهر العظيم أن يفتح المرء صحيفة أعماله , فيقرأها كلمة كلمة , وسطرا سطرا , وصفحة بصفحة , ليستطيع تقويم وتقييم رحلة حياته التى انقضى منها الكثير ولم يتبق منها غير القليل . ليقف على مساوئه وعيوبه ومواضع الخلل فى شخصيته . فيكون طبيب نفسه , يشخص لها الداء ويصف  الدواء . ابدأ بنفسك فانهها عن غيها .. فإن فعلت فأنت عظيم . فهل تحب أن تكون من الكبار الذين يحاسبون أنفسهم , أم تريد أن تكون من الصغار الذين يحاسبهم غيرهم ,فيقفون أمامهم موقف المهانة  والمذلة والانكسار..؟

* من باب المحاسبة  ولاسيما فى هذا الشهر العظيم المبارك , حق لكل مسلم أن يفتخر بأنه مسلم , لكن الأروع والأجمل أن تجعل المسلمين يفتخرون بك , بأنك مسلم . مسلم فى تصورك وتصرفك , مسلم فى سلوكك وأخلاقك ومواقفك , مسلم فى معتقداتك وعقيدتك . فلا تحل دما حرمه الله , ولا تنتهك عرضا حفظه الله , ولا تنهب مالا ليس من حقك , ولا تسطو على حق غيرك بالقوة فتنتزعه منه انتزاعا . لا تتحدث كثيرا عن الدين والأخلاق , لان الناس سئمت الخطب والكلام  , لكن دع الناس ترى الدين فى سلوكك , والأخلاق فى تصرفاتك , والتسامح والأدب فى معاملاتك اليومية . فلا تنهى عن خلق وتأتى بمثله . لان ذلك من طباع اللئام .  فمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب خف فى القيامة حسابه , وثبت عند الرسول جوابه , وحسن منقلبه ومآبه . ومن لم يحاسب نفسه دامت حسراته , وطالت يوم العرض على الرحمن وقفاته , وقادته إلى الخزي والعار سيئاته . فانتبه واستيقظ قبل فوات الأوان ومرور الزمان , أيها الإنسان .

* يقول أحد الصالحين محاسبا نفسه ومسترجعا حقيقة الحياة : رتعنا فى هذه الحياة جاهلين , وعشنا فيها غافلين , وأخرجنا منها كارهين . ويقول آخر : المسئ ميت وإن كان فى دار الحياة  , والمحسن حي إن كان فى دار الأموات. فلا تعد نفسك محسنا وإن كنت حيا , إلا إذا أحسنت إلى خلق الله قولا وفعلا ومعاملة لان الدنيا تسير وكأنها تطير , والموت يأتى بغتة فلا تقضى حياتك غافلا تشيب ويشيب معك الحرص وطول الأمل . دخل أبو الدرداء رضي الله عنه الشام فقال : يا أهل الشام اسمعوا قول أخ لكم ناصح . فاجتمعوا إليه فقال : “مالي أراكم تبنون مالا تسكنون , وتجمعون مالا تأكلون . إن الذين كانوا قبلكم بنوا مشيدا وأملوا بعيدا  , وجمعوا كثيرا , فأصبح أملهم غرورا وجمعهم تبورا ومساكنهم قبورا.” فهل راجعت وحاسبت نفسك أيها الإنسان وقطار الحياة  يمضى بك سريعا وأوشك على الوصول إلى محطة النهاية..؟ العاقل من حاسب نفسه قبل أن يحاسب .

* من باب المحاسبة للنفس ألا تقاطع جارا أو زميلا أو صديقا أو أخا لك لمجرد الاختلافات السياسية والعائلية والاجتماعية . نعم.. هناك اختلافات , لكن لا يجب أن يكون هناك خلاف يؤدى إلى الشقاق وسوء الأخلاق . يقول أحد الحكماء :
كن للود حافظا , إن لم تجد محافظا , وللخل واصلا وإن لم تجد مواصلا . لان الخصام والمقاطعة لمجرد اختلاف الآراء هو محض اللؤم وصريح الدناءة ومنه تنبع الوقاحة و سيل البذاءة . ومن باب المحاسبة ألا تشهر بأسرار من اختلفت معه لان السر أمانة , والمؤمن يستر , لكن المنافق يفضح . قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه :القلوب أوعية الأسرار . والشفاء أقفالها , والألسن مفاتحها . فليحفظ كل امرئ مفتاح سره .” ومن صفات الإنسان الأمين أن يكون ذا عقل صاد , ودين حاجز , ونصح مبذول , وود موفور . وبالطبع كتوما .

إذا المرء أفشى سره بلسانه… ثم لام غيره عليه فهو أحمق .

إذا ضاق صدر المرء بسره… فصدر الذي يستودع السر أضيق . فكن كتوما صدوقا .
* ومن باب المحاسبة والمراجعة ألا  تجالس إلا العقلاء , ولا تجالس الحمقى الجهلاء . فلا تسأل عن المرء … وسل عن قرينه , فكل قرين بالمقارن يقتدى . والصاحب للصاحب كالرقعة فى الثوب .. إن لم تكن منه شانته . وقال بعض الحكماء : “عداوة العاقل أقل ضررا من مودة الأحمق لأن الأحمق ربما ضر وهو يقدر أن ينفع , والعاقل لا يتجاوز الحد فى مضرته . فمضرته لها حد يقف عندها . العقل . ومضرة الجاهل ليست بذات حد .” وقال بعض البلغاء : من الجهل صحبة ذوى الجهل ومن المحال مجادلة ذوى المحال . ونظر بعض الحكماء إلى رجل أحمق سيئ السلوك غير أنه حسن الوجه . فقالوا له :   أما البيت فحسن , وأما الساكن فردئ..!. قال الشاعر الحكيم  : لا تركنن إلى ذي منظر حسن … فرب رائقة قد ساء مخبرها . ما كل أصفر دينار لصفرته… صفر العقارب أرداها وأنكرها .

* وأخيرا ومن باب المحاسبة , اذكر بقول احد المصلحين الحكماء العقلاء :” إذا هزل الأفراد.. جد . وإذا نافقت المواكب .. تجرد .وإذا تدنست المجتمعات .. تطهر . وإذا فحشت الألسنة.. تعفف . وإذا جادلت الجماعات.. تثبت . وإذا فسدت العقول.. تحصن . وإذا خربت النفوس.. تمحص . وإذا جف الماء .. تيمم. وإذا فسدت القلوب.. تداوى . واربأ بنفسك إن ترعى مع الهمل وهذا أمر خطير لايضطلع بأعبائه إلا أرباب العزائم. هذا… وما كان من صواب فيما قلت , فمن الله , وان كان من خطا أو سهو أو نسيان , فمن نفسى والشيطان . والله وراء القصد والنية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى