تقارير وملفات إضافية

ألمانيا واليابان أكبر المستفيدين من الحرب التجارية بين واشنطن وبكين، لكن إلى متى؟

يبدو أن الاقتصاد العالمي يتجه نحو أزمة كبرى في ظل الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين واتجاه الدول الكبرى إلى زيادة صادراتها وتقييد واردات الدول الأخرى، وألمانيا واليابان مثال واضح، والسؤال الآن من يدفع ثمن تلك السياسات الفردية؟

موقع شبكة سي إن بي سي الأمريكية تناول القصة في تقرير بعنوان: «الولايات المتحدة تُركت وحيدة لقيادة الاقتصاد العالمي.. وعلى الصين أن تساعد»، أعده مايكل إيفانوفيتش، محلل مستقل يركّز على الاقتصاد العالمي والجغرافيا السياسية واستراتيجية الاستثمار. سبق له أن شغل منصب كبير الخبراء الاقتصاديين في «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» في باريس.

كما هو الحال دائماً، يواصل أصدقاء أمريكا المقرّبون وحلفاؤها –اليابان وألمانيا- استفادتهم المجانية من الاقتصاد الأمريكي [مشكلة الراكب بالمجان أو الراكب الحر في الاقتصاد، تطرأ عند انتفاع شخص ما أو جهة ما من منظومة أو موارد أو خدمات اقتصادية معينة دون أن يدفع مقابل عادلٍ لهذه المنفعة، أو عندما تتوزع الآثار السلبية لسياساته الاقتصادية على نطاق واسع، بينما تؤول أغلب الآثار الإيجابية إليه وحده]، دون أن يقدّموا مساهمة صافية أو ارتفاعاً في معدلات النمو والتوظيف في بقية العالم.

على الرغم من أن معدل نموها السنوي بلغ 0.6 % عن العام المنتهي في يونيو/حزيران الماضي، أعلنت وزارة المالية اليابانية أنها لا تفكر في اتخاذ تدابير لدعم اقتصادها الراكد. وبلا ترددٍ، واصل المراهنون التعويل على حزم دعم كبيرة –ربما واحدة من تلك التي يستحيل تبين حجمها، أو كما يقول اليابانيون عنها حوافز «الماء الصافي»، والتي ليست سوى مجرد لعب في الأرقام.

على النحو نفسه، لا تزال ألمانيا، واضعة وتيرة الاقتصاد الأوروبي التي لا يمسّها الشك، تقول الشيء نفسه: ليس هناك حاجة إلى أي دعم لاقتصادها الـمُتراجع، والذي من المتوقع أن يدخل مرحلة ركود في الأشهر المقبلة.

إذا أضفنا اليابان إلى أوروبا التي تديرها ألمانيا، يجد المرء أن ربع الاقتصاد العالمي يريد أن يعيش على صادراته، والتي بلغت قيمتها 1.1 تريليون دولار دفعت فاتورتها الولايات المتحدة والصين في عام 2018.

لا تحاول اليابان إخفاء إدارتها للأمور بالاعتماد على  سياسات اقتصادية قائمة على فرض تنظيم حكومي يعمل على زيادة الصادرات وتقييد الواردات. إذ تؤكد توقعات دوراتها الاقتصادية دائماً على الدور الحاسم للصادرات في الأفق الاقتصادي للبلد. وعلى الرغم من توترات تشهدها العلاقة بينهما وتنجم عن نزاعات تبدو مستعصية على الحل، فإن الصين تعدُّ مفتاحَ تجارة اليابان واستثماراتها ونموها الاقتصادي.

أما مع الولايات المتحدة فلا توجد مثل هذه المشاكل، إذ تمرر الولايات المتحدة لطوكيو بسهولةٍ تحقيقها فوائض تجارية ضخمة معها، فائضاً بلغ 48.6 مليار دولار في الأشهر الثمانية الأولى من هذا العام، بزيادة قدرها 6.3 % عن العام السابق. هذا على ما يبدو مقابل الوجود العسكري لواشنطن في اليابان، ومعارضة طوكيو المنتظرة للنفوذ الاقتصادي والسياسي والعسكري للصين في آسيا وبقية العالم.

من خلال تعاملها مع الجانبين، تجري اليابان تجارة نشطة ومربحة لها مع الولايات المتحدة والصين. فقد بلغت الصادرات اليابانية إلى الصين، في الأشهر الثمانية الأولى من هذا العام 86.4 مليار دولار، متخلفة بقليل عن حجم صادراتها إلى الولايات المتحدة الذي بلغ 94.6 مليار دولار عن الفترة ذاتها. وبذلك يمثل هذان البلدان حالياً نحو 40% من إجمالي مبيعات الصادرات اليابانية في الخارج.

وربما يجدر بواشنطن الانتباه إلى أن اليابان تمارس شروطَ توددٍ شديدة التباين في علاقتها مع شريكتيْها التجاريتين الكبرتين: إذ تحقق طوكيو كثيراً من الأرباح في تبادلاتها التجارية مع الولايات المتحدة، في الوقت الذي تعاني من عجزٍ تجاري كبير في ميزانها التجاري مع الصين.

تظهر أوروبا نمط التجارة ذاته. فخلال الفترة من يناير/كانون الثاني إلى أغسطس/آب، أوردت تقارير الاتحاد الأوروبي تحقيق دولِه فائضاً تجارياً بلغ 102.7 مليار يورو في الميزان التجاري مع الولايات المتحدة، في حين حققت عجزاً تجارياً بلغ 127.4 مليار يورو في ميزانها التجاري مع الصين.

حققت ألمانيا فائضاً تجارياً يقارب ثلث حجم تجارتها مع الولايات المتحدة، في الوقت الذي عانت من عجز تجاري ضئيل للغاية (بلغ 7.5 مليار يورو) مع الصين.

هل هناك رسالة ما تشي بها تلك الاختلافات الواضحة في تقديرات الوصول إلى الأسواق بين الولايات المتحدة والصين؟

ليس لدى اليابانيين تعليق على ذلك، لكن الأوروبيين، بقيادة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وغرفة التجارة الأوروبية في بكين، يشْكُون بشدة من القواعد والممارسات التجارية للصين.

تنكر الصين ذلك وتصرف الأنظار عنه مستغلةً عدم وجود اتفاق بين باريس وبرلين فيما يتعلق بسياستها الاقتصادية. إذ من الواضح أن ألمانيا تنحو مقاربة هادئة لأن الصينيين قلّصوا فوائضها في الميزان التجاري مع الألمان إلى مبالغ ضئيلة. في حين أن العجز التجاري الفرنسي مع الصين، بلغ 29.2 مليار يورو في عام 2018، وهو ما يقارب أربعة أضعاف عجز ألمانيا، ويمثل أكبر فجوة تجارية ثنائية في التبادل التجاري لفرنسا.

الصين، على ما يبدو، تريد أن تفعل شيئاً حيال ذلك. لذا يسافر ماكرون إلى شنغهاي هذا الأسبوع ليجري محادثات تجارية مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في معرض الصين الدولي للاستيراد.

بدورها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي كانت في مهمة اقتصادية في الهند الأسبوع الماضي، تريد أن تجعل التجارة مع الصين سياسة اقتصادية محورية خلال رئاسة ألمانيا الدورية للاتحاد الأوروبي في العام المقبل، ومن ثم من المقرر أن تعقد بصحبة جميع دول الاتحاد البالغ عددها 27 (على افتراض خروج المملكة المتحدة بحلول ذلك الموعد) قمة مع الصين في لايبزيغ في شهر سبتمبر/أيلول 2020.

بالنظر إلى ذلك التنافس الفرنسي الألماني، والذي تريد ألمانيا أن يكون لها اليد العليا فيه، فإن فقط الأشخاص المغيّبين هم من بإمكانهم الادعاء أن الأمر كان يتعلق بالحنكة السياسية عندما وافقت بقية الدول الـ 19 الأعضاء على السياسات النقدية للبنك المركزي الأوروبي.

ومن المتوقع أن يستمر هذا الهراء ما دام معظم الناس لا يدركون أن رفض ألمانيا المنهجي للتوقف عن الانتفاع والازدهار على حساب بقية شركائها التجاريين في منطقة اليورو، يجعل من المستحيل تطبيق أي سياسات نمو موثوقة ومستدامة. ونتيجة لذلك، كان البنك المركزي الأوروبي قد أقرّ سياسة نقدية متساهلة لموازنةِ التقشف المالي الذي تفرضه ألمانيا.

يعرف ماكرون أنه لا يستطيع تغيير السياسات النقدية الألمانية للحصول على مزيج من سياسات نقدية وتجارية داعمة للنمو. وهذا يمكن أن يؤدي بسهولة إلى إزاحة ماكرون عن منصبه السياسي خلال الانتخابات الرئاسية المقبلة في عام 2020.

يمكن للولايات المتحدة وحدها تغيير سياسات الاتحاد الأوروبي الخانقة للنمو، والتي تقيد أكبر أسواق أمريكا الخارجية. وطريقة القيام بذلك بسيطة: توجيه ضربات إلى الصادرات الألمانية إلى الولايات المتحدة. إذ ليس ثمة أسواق بديلة أخرى يمكن لألمانيا أن تحقق فيها مثل ما حققته من مبيعات جيدة بلغت 126 مليار دولار إلى الولايات المتحدة في عام 2018.

هذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكن أن تجبر ألمانيا على الاتجاه إلى توليد مزيدٍ من النمو من السماح بانفتاح الطلب ومعدلات الاستهلاك المحلي، ومنح بعض الأكسجين لاقتصادات منطقة اليورو الخانقة.

ينبغي للولايات المتحدة أن تعقد صفقة تجارية سريعة مع الصين، وأن تخفف من حدّة خطابها المعادي والمسيء لسمعة المنتج الصيني.

يتعين على الصين، من جانبها، أن تدرك أن حساباتها التجارية المتوازنة مع الولايات المتحدة هي نقطة انطلاق لعلاقة بناءة يمكن أن يتعايش من خلالها كلا البلدين، ويمكن أن يكون في ذلك مصلحة كبيرة لبقية دول العالم.

إن المواجهة المدمرة وتصاعد العداء بين قوى عسكرية تمتلك أسلحة نووية –وهي تصعيد ينادي به كثير من «الاستراتيجيين» الذين يواجهون تحديات فيما يتعلق بأفكارهم- يجب التخلي عنها لصالح كفاءات سياسية رصينة في إدارة الدولة تعتمد سياسات تقييم وموازنة عالمية للمصالح الوطنية.

يجب أن تركز سياسة واشنطن عبر المحيط الأطلسي على سياسات ألمانيا الاقتصادية غير المتعاونة والمفتقِرة إلى الحكمة. وإذا كان هذا يعني اللجوء إلى أدوات استهداف تجارية، فليكن ذلك. لقد آلت سياسات القيادة الخاطئة التي تتبعها ألمانيا إلى أمة فوضوية ومنقسمة، وأخذت أصوات خطيرة تحمل أفكاراً تعود إلى الماضي تتصدر بسرعة المشهد السياسي. ينبغي ألا تسمح واشنطن لذلك بأن يزعزع استقرار بقية أوروبا، وأن يدمّر المشروع الجميل لقارة مسالمةٍ وموحَّدة.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى