تقارير وملفات إضافية

أفغانستان أبرز الدروس.. متى تدرك الولايات المتحدة أن «تغيير النظام» استراتيجية فاشلة؟

بعد 18 عاماً على احتلال الولايات المتحدة أفغانستان في أعقاب أحداث سبتمبر/أيلول 2001، تم تسريب مستندات سرية بعنوان «الدروس المستفادة»، ركز فيها القادة الأمريكيون على الأخطاء التي ارتكبوها في حرب أفغانستان بهدف تجنبها في حروب مشابهة، وتلك بالتحديد هي المشكلة.

مجلة صالون الأمريكية نشرت تقريراً بعنوان: «فشل سياسة تغيير الأنظمة هو الدرس الحقيقي من حرب أفغانستان»، ناقش مبدأ تغيير الأنظمة نفسه.

تُصور مجموعة الوثائق الأمريكية الدفينة المعنونة بـ «الدروس المستفادة» حول أفغانستان والتي نشرتها صحيفة Washington Post، بكل التفاصيل الموجعة، تشريح سياسة فاشلة، محجوبة بشكلٍ فاضح عن العامة منذ 18 عاماً. إلا أن أوراق «الدروس المستفادة» تستند إلى فرضية أن الولايات المتحدة وحلفاءها سيواصلون التدخل العسكري في بلدان أخرى، وعليهم بالتالي تعلم الدروس المستفادة من أفغانستان لتجنب ارتكاب نفس الأخطاء في المهمات العسكرية المستقبلية.

يفتقد هذا الافتراض إلى الدرس الواضح الذي يرفض السياسيون في واشنطن تعلمه، والذي مفاده أن الخطأ الأساسي ليس في كيفية محاولة الولايات المتحدة إعادة بناء المجتمعات التي دمرتها من خلال سياستها المعروفة بـ «تغيير الأنظمة» وفشلها في ذلك، ولكن في عدم شرعية الطريقة نفسها التي يجري بها تغيير النظام.

وكما قال بن فيرينتس، المدعي العام السابق لمحكمة نورمبرغ، في حديثه لإذاعة NPR الأمريكية بعد ثمانية أيام فقط من أحداث 11 سبتمبر/أيلول «إنه ليس رداً مشروعاً أبداً أن تعاقب الأشخاص الذين لا يتحملون مسؤولية الخطأ الذي حدث. إذا انتقمت ببساطة بشكل جماعي بقصف أفغانستان، دعنا نقول، أو قصف طالبان، فستقتل الكثير من الناس الذين لا يوافقون على ما حدث».

تكشف وثائق «الدروس المستفادة» عن الجهود المستمرة التي تبذلها ثلاث إدارات لإخفاء إخفاقاتها الهائلة وراء جدار من الدعاية من أجل تجنب الاعتراف بالهزيمة والاستمرار في «العمل بطريقة مشوشة دون تخطيط»، كما وصفها الجنرال ماكريستال. ففي أفغانستان، تنعكس هذه الطريقة في سقوط أكثر من 80 ألف قنبلة وصاروخ، وكلها تقريباً استهدفت أشخاصاً لا علاقة لهم بجرائم 11 سبتمبر/أيلول، كما توقع بن فيرينتس.

عدد الأشخاص الذين قُتلوا في أفغانستان موضع خلاف وغير معروف بشكل أساسي. نشرت الأمم المتحدة الحد الأدنى من الأرقام المؤكدة للمدنيين الذين قُتلوا منذ عام 2007، ولكن كما اعترفت فيونا فريزر، رئيسة حقوق الإنسان في بعثة الأمم المتحدة في كابول، في تصريحها لشبكة BBC البريطانية في أغسطس/آب 2019، «المزيد من المدنيين في أفغانستان قٌتلوا أو أصيبوا بسبب النزاع المسلح أكثر من أي مكان آخر على الأرض… [لكن] الأرقام المنشورة لا تعكس بالتأكيد الحجم الحقيقي للضرر إذا نظرنا لأساليب التحقق الصارمة كأحد الأسباب». 

تحسب الأمم المتحدة فقط عدد القتلى المدنيين في الحوادث التي أكملت فيها التحقيقات في مجال حقوق الإنسان، ووصولها إلى المناطق النائية التي تسيطر عليها طالبان، حيث تقع معظم الغارات الجوية الأمريكية وغارات «القتل أو الأسر» يكاد يكون منعدم. لذلك، يمكن أن تكون الأرقام المنشورة للأمم المتحدة مجرد جزء صغير من الأعداد الحقيقية للأشخاص الذين لاقوا حتفهم، كما تشير فيونا فريزر.

لا ينبغي أن يستغرق الأمر 18 عاماً حتى يعترف المسؤولون الأمريكيون علناً بأنه لا يوجد حل عسكري لحرب فتاكة لا يمكن الانتصار فيها، وتتحمل الولايات المتحدة مسؤوليتها سياسياً وقانونياً. بيد أن الفشل الذريع في أفغانستان ليس سوى حالة واحدة في سياسة أمريكية معيبة من الأساس يسفر عنها عواقب عالمية. لقد أثبتت أشباه الحكومات الجديدة التي نصبتها سياسة «تغيير الأنظمة» الأمريكية في بلد تلو الآخر أنها أكثر فساداً وأقل شرعية وأقل قدرة على السيطرة على أراضي بلادها من تلك التي دمرتها الولايات المتحدة، تاركين شعوبهم غارقة في دوامة لا تنتهي من العنف والفوضى لا يستطيع أي شكل من أشكال الاحتلال الأمريكي المستمر أن يوقفها.

«تغيير النظام» هو عملية إكراه تهدف إلى فرض الإرادة السياسية للحكومة الأمريكية على البلدان في جميع أنحاء العالم، منتهكة بذلك سيادة هذه الدول وحق شعوبها في تقرير المصير من خلال ترسانة من الأسلحة العسكرية والاقتصادية والسياسية:

نزع الشرعية: تتمثل الخطوة الأولى في استهداف بلد من أجل تغيير النظام في نزع الشرعية عن حكومتها القائمة في نظر الولايات المتحدة والجمهور المتحالف معها، مع الدعاية المستهدفة أو شن «حرب معلومات» لتشويه صورة رئيسها أو رئيس وزرائها. يُهيأ تصوير القادة الأجانب كأشرار في إطار دراما مخصصة لتقسيم العالم إلى قوى خير وقوى شر نفسياً الرأي العام الأمريكي لقبول سياسة الإكراه الأمريكية لإخراج هؤلاء الأشخاص من السلطة. أحد الدروس التي علينا أن نتعلمها نحن المعارضون لعمليات تغيير الأنظمة هو أنه يجب علينا مجابهة هذه الحملات في هذه المرحلة الأولى إذا أردنا منع تصعيدها. على سبيل المثال، لدى كل من روسيا والصين اليوم دفاعات قوية، بما في ذلك حيازتهم للأسلحة النووية، ما يجعل خوض حرب أمريكية مع أي منهما أمراً كارثياً أو حتى انتحارياً. إذن لماذا تثير الولايات المتحدة حرباً باردة جديدة ضدهم؟ هل يهددنا المجمع الصناعي العسكري بالانقراض فقط لتبرير الأرقام القياسية للميزانيات العسكرية؟ لماذا الدبلوماسية الجادة للتفاوض حول التعايش السلمي ونزع السلاح «غير مطروحة»، في الوقت الذي ينبغي فيه أن تكون أولوية وجودية؟

العقوبات: استخدام العقوبات الاقتصادية كأداة لفرض التغيير السياسي في بلدان أخرى هو استخدام فتاك وغير قانوني. تقتل العقوبات الناس بحرمانهم من الغذاء والدواء وغيرها من الضروريات الأساسية. قتلت العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة مئات الآلاف من العراقيين في التسعينيات. واليوم، تقتل العقوبات الأمريكية أحادية الجانب عشرات الآلاف في إيران وفنزويلا. هذا الإجراء غير قانوني بموجب القانون الدولي، وقد أدانه المقررون الخاصون للأمم المتحدة بشدة. يُظهر بحث البروفيسور روبرت بيب أن العقوبات الاقتصادية لم تحقق تغييراً سياسياً سوى في 4% من الحالات. لذا فإن الغرض الرئيسي من سياسة الولايات المتحدة هو تأجيج الأزمات الاقتصادية والإنسانية القاتلة التي يمكن أن تكون ذريعة لأشكال أخرى من التدخل الأمريكي.

الانقلابات والحروب بالوكالة: كانت الانقلابات والحروب بالوكالة الأسلحة المفضلة عندما يريد المسؤولون الأمريكيون الإطاحة بالحكومات الأجنبية. أدت الانقلابات الأخيرة المدعومة من الولايات المتحدة في هندوراس وأوكرانيا والآن بوليفيا إلى إسقاط الحكومات المنتخبة وتنصيب أنظمة يمينية مدعومة من الولايات المتحدة. اعتمدت الولايات المتحدة بدرجة أكبر على الانقلابات والحروب بالوكالة في أعقاب كوارثها العسكرية في كوريا، وفيتنام، والآن في أفغانستان والعراق، لمحاولة تغيير الأنظمة دون تحمل المسؤولية السياسية عن الخسائر العسكرية الأمريكية الثقيلة. بموجب عقيدة أوباما الخاصة بالحرب السرية والحرب بالوكالة، عملت الولايات المتحدة مع القوات البرية القطرية في ليبيا والجماعات المرتبطة بالقاعدة في سوريا والقادة العسكريين في هندوراس. لكن تغيير النظام بالاستعانة بقادة محليين للانقلاب وقوات بالوكالة يضيف المزيد من الضبابية لما سيسفر عنه الأمر، مما يجعل الحروب بالوكالة مثل تلك الجارية في سوريا دموية وفوضوية ومستعصية.

حملات القصف: تقلل حملات القصف الأمريكية من الخسائر في صفوف القوات الأمريكية، ولكنها خلفت موتاً ودماراً يعجز عنه الوصف في صفوف الأعداء والأبرياء. مصطلح «الأسلحة دقيقة التصويب » مثل مصطلح «تغيير النظام»، هو تعبير لفظي مصمم لإضفاء الغموض على رعب الحرب. صرح روب هيوسون، رئيس تحرير مجلة Jane’s Air-Launched Weapons، المتخصصة في تجارة الأسلحة، لوكالة AP خلال حملة القصف المسماة «الصدمة والرعب» في العراق في عام 2003 أن دقة الأسلحة الأمريكية دقيقة التصويب كانت فقط 75-80%، ما يعني أن الآلاف من القنابل والصواريخ أخطأت أهدافها وقتلت المدنيين بشكل عشوائي. وكما قال روب هيوسون: «لا يمكنك إسقاط القنابل وتجنب قتل الناس. هناك تعارض حقيقي بين الاثنين». بعد تدمير الموصل والرقة في الحملة التي تقودها الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) والتي أسقطت أكثر من 100 ألف قنبلة وصاروخ على العراق وسوريا منذ عام 2014، وصف الصحفي باتريك كوكبيرن الرقة بأنها» قُصفت وصارت في طيّ النسيان»، وكشف أن تقارير المخابرات الكردية العراقية قد أحصت ما لا يقل عن 40 ألف مدني قُتلوا في الموصل.

الغزو والاحتلال العسكري العدائي: يستند وصف «الملاذ الأخير» السيئ السمعة للحرب الشاملة إلى فكرة أنه إذا لم يفلح أي شيء آخر، فيمكن للجيش الأمريكي الذي يبلغ إنفاقه العسكري تريليون دولار أن ينجز المهمة بالتأكيد. قاد هذا الافتراض الخطير الولايات المتحدة إلى ورطات عسكرية في العراق وأفغانستان على الرغم من «الدروس المستفادة» السابقة في فيتنام، ما يؤكد الدرس المركزي الذي لم تتعلمه الولايات المتحدة وهو أن الحرب بحد ذاتها كارثة. في العراق، وصف الصحفي نير روزن قوات الاحتلال الأمريكية بأنها «تائهة في العراق… غير قادرة على ممارسة أي سلطة إلا في زاوية الشارع الذي تتمركز فيه». واليوم، يوجد حوالي 6000 جندي أمريكي في العراق، حبيسي قواعدهم العسكرية، ويتعرضون لهجوم صاروخي متكرر، بينما ينهض جيل جديد من العراقيين لاستعادة بلادهم من المنفيين السابقين الفاسدين الذين أحضرتهم الولايات المتحدة مع قوات غزوها قبل 17 عاماً.

يجب أن تتعلم أي حكومة مسؤولة ينتخبها الأمريكيون في عام 2020 من الفشل الموثق جيداً، والتكلفة البشرية المأساوية لجهود تغيير الأنظمة التي تمارسها أمريكا في أفغانستان والعراق وهايتي والصومال وهندوراس وليبيا وسوريا وأوكرانيا واليمن وفنزويلا وإيران والآن بوليفيا.

يجب أن تؤدي هذه «الدروس المستفادة» إلى انسحاب الولايات المتحدة من البلدان التي دمرناها، ما يفتح الطريق أمام الأمم المتحدة والوسطاء الشرعيين الآخرين ليتدخلوا ويساعدوا شعوبهم على تشكيل حكومات مستقلة ذات سيادة وحل النزاعات الثانوية المستعصية التي تسببت فيها الحروب والعمليات السرية الأمريكية.

ثانياً، يتعين على الولايات المتحدة إجراء اتصال دبلوماسي عالمي لتحقيق السلام مع أعدائنا، وإنهاء عقوباتنا وتهديداتنا غير القانونية، وطمأنة شعوب العالم بأنهم لم يعودوا بحاجة إلى الخوف وتسليح أنفسهم ضد تهديد العدوان الأمريكي. ستتمثل الإشارات الأكثر قوة على أننا بدأنا بالفعل صفحة جديدة في خفض الميزانية العسكرية للولايات المتحدة بشكل ملموس -لقد تجاوزنا الآن الإنفاق العسكري للجيوش السبعة أو الثمانية التاليين في الترتيب مجتمعين، على الرغم من إخفاقاتنا العسكرية التي لا تنتهي؛ وتخفيض عدد القوات التقليدية والأسلحة الأمريكية إلى المستوى اللازم لتلبية الاحتياجات الدفاعية المشروعة لبلدنا؛ وإغلاق معظم مئات القواعد العسكرية الأمريكية على أراضي الدول الأخرى، والتي تصل إلى مستوى الاحتلال العسكري العالمي.

ربما الأهم من ذلك، يجب على الولايات المتحدة أن تقلل من تهديد أشد الحروب كارثة من بين جميع الحروب، ألا وهي الحرب النووية، عن طريق الامتثال أخيراً لالتزاماتها بموجب معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية لعام 1970، والتي تتطلب من الولايات المتحدة والدول النووية الأخرى التحرك نحو «نزع السلاح النووي العام والكامل».

في عام 2019، احتفظت نشرة العلماء الذريين بساعة يوم القيامة على دقيقتين فقط من منتصف الليل، ما يدل على أننا قريبون من التدمير الذاتي كما كنا من قبل. وأشار بيانها الصادر في عام 2019 إلى الخطر المزدوج المتمثل في تغير المناخ والحرب النووية، وذكر قائلاً «تواجه البشرية الآن تهديدين وجوديين متزامنين، أحدهما سيكون مصدر قلق بالغ وانتباه فوري». لذا فهي مسألة حياة أو موت بالنسبة للولايات المتحدة كي تتعاون مع بقية العالم لتحقيق أوجه تقدم كبيرة على هاتين الجبهتين.

إذا كان هذا الأمر يبدو بعيد المنال أو مفرطاً في الطموح، فهذا مقياس لمدى ابتعادنا عن التعقل والإنسانية والتعاون السلمي الذي سنحتاج إليه للنجاة في هذا القرن. إن العالم الذي تكون فيه الحرب أمراً طبيعياً والسلام بعيد المنال لم يعد قابلاً للحياة أو مستداماً أكثر من عالم يزداد فيه اختناقه من حرارة الجو كل عام. لذا، يمثل الإنهاء الدائم لسياسة الولايات المتحدة الكلية لتغيير الأنظمة بالإكراه ضرورة سياسية وأخلاقية ووجودية.

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى