منوعات

أشبه باختبار نفسي للمجتمعات.. هكذا تأخذك مراجعة فيلم Parasite في جولة مثيرة بين الفوارق الطبقية

بعد أن ذاع صيت فيلم Parasite الكوري الجنوبي مؤخراً، وبعد حصوله على مجموعة من الجوائز السينمائية جاءت على رأسها جائزة أوسكار لأفضل فيلم عالمي، علق البعض على عديد من الجوانب الإيجابية والعناصر السينمائية التي جعلت الفيلم محطّ تقدير وإشادة، وبين هذه الآراء والمراجعات، نأتي لك بهذه المراجعة للفيلم الأكثر إثارة للجدل: Parasite والتي تقرّب لك  الصورة التي رآها النقاد الذين أشادوا بالفيلم.

لذا إن كُنت تقرأ هذا التقرير قبل مشاهدة الفيلم، فمن الأفضل أن تتوقّف عن القراءة فوراً وتتوجّه لمشاهدة الفيلم أولاً، لأن المراجعة تحتوى على حرق شبه كامل لقصة الفيلم، خاصة بعد أن أعلن صُناع الفيلم عن طرحه في صيغة أقراص Bluray، وأيضاً عن توافر نسخة منه بالأبيض والأسود لتجربة مشاهدة جديدة أكثر تفصيلاً.

بحسب ما نشره موقع صحيفة The Guardian البريطانية، يمكن يُشبه فيلم Parasite بالأعمال الكلاسيكية، ويصفه مُخرجه  «بونغ جون هو» ” بأنَّه “فيلمٌ كوميدي من دون مُهرِّجين، وفيلم مأساوي من دون أشرار”، إذ يروي الفيلم قصة عائلتين تقع كلٌّ منهما على جانبين متقابلين من الطبقات الاجتماعية والاقتصادية.

ونلتقي أولاً عائلة كيم الفقيرة، التي يرأسها الأب (كي-تيك) ووالدته (شونغ سوك) من داخل منزلهم الشبيه بالقبو، حيث يحصلون على أغلب مصادر حياتهم (بالتطفل)، فيبحثون عن تغطية إنترنت Wi-Fi من الجيران الذين يتركون أجهزة الراوتر بلا حماية، ويتركون نوافذهم مفتوحة للاستفادة من مواد تطهير الشوارع التي تقتل الحشرات. 

العائلة برغم فقرها وتطفُّلها، بينهم رابط قوي متآلف ومتصالح تماماً مع أسلوب حياتهم “التطفلي”. لذا فحين يحصل الابن كيم على فرصةٍ غير متوقعة لتدريس طالبةٍ ثرية؛ ولأنه لم تتح ظروفه فرصة إتمام تعليمه الجامعي -برغم إجادته للغة الإنجليزية- يطلب فوراً من شقيقته الفنانة الموهوبة كي-جونغ، أن تُزوِّر له شهادةً جامعية، ليحتال على أسرة الطالبة الثرية للحصول على الوظيفة.

يُظهر الفيلم الحاصل على الأوسكار منزل الأسرة الثرية كتحفة معمارية تتربّع عالياً فوق أحياء سيول الفقيرة، مع إطلالةٍ  بديعة تتضمّن مساحات خضراء فاخرة؛ يُمثِّل هذا المنزل الفاره كل شيءٍ يختلف عن منزل كي-وو الكئيب: فهو أنيق ومعزول عن العامة والضوضاء، وبداخله حياة تختلف عن حياة كيم تماماً.

يعرض لنا Parasite حياة الأسرة الثرية، فحين ينعزل والد الطالبة الثرية المدللة، رجل الأعمال «بارك»، في عمله، تظل زوجته الحريصة شديدة القلق «يوان-كيو» في المنزل؛ للعناية بابنتهما  الشقية وابنهما الذ يعاني مُتلازمة فرِط النشاط. يعيشون حياةً يعتمدون فيها على الخدم بصورةٍ كليّة.

وفوراً يبدأ ذهن كيم في العمل على خطة تضمن لشقيقته وظيفة مماثلة لوظيفته؛ لرعاية الابن الثري الصغير، وبعد أن ينجح في مسعاه يكرر الأمر.

ونرى والد كيم قد صار سائقاً لدى الأسرة الثرية بعد أن ساعدته شقيقته في تدبير مكيدة للسائق السابق والتخلص منه، وأُم كيم صارت مدبرة المنزل بعد مكيدة مشابهة – وربما أكثر شراً – لمديرة المنزل. وهكذا وجدت الأسرة الفقيرة بالكامل مكاناً رائعاً كـ “عائل” يحمل ” كائناً طفيلاً” دون أن يدري.

ربما تعيش عائلة كيم  في حالة بؤسٍ، وبيت متواضع سيء التهوية، لكن صناع الفيلم الكوري الجنوبي أرادوا إظهار أن العائلة الفقيرة تتمتع بقدر من الذكاء مثلها مثل العائلة الثرية التي تتعالى على الفقراء بشكل عام؛ وخاصة “الأشخاص الذين يركبون مترو الأنفاق” والذين كما جاء على لسان الأب الثري: رائحتهم مقززة.

وتشير الصورة إلى متناقضات الأسرتين من قِبل كاتب ومخرجه «بونغ جون هو» ؛ فعندما يُصوَّر السيد بارك الثري المُعتدّ بنفسه، عادةً وهو يهبط درجات سُلم منزله العصري، يظهر بالتتابع مشهد أفراد عائلة كيم الفقراء وهم يُهرولون على سلالم المدينة المغبّرة إلى شقتهم الواقعة تحت الأرض، وهو ما أظهر العبقرية الدرامية للمخرج والمؤلف بونغ جون هو.

وحين يتعلّق الأمر بالخداع والكذب أيضاً، نجد أنّ القابعين على قمة السلم الاجتماعي مُتمرّسون في الخداع بقدر القابعين أسفله. هنا تتجلى روعة القصة في إبراز التشابه الأخلاقي سواء للفقراء أو الأغنياء.

لكن بونغ يحرص على إبقاء الصفات والأهداف والدوافع لدى العائلتين مُتوازنةً بشدة، وهو ما يخلق معادلاً سينمائياً أشبه باختبار رورشاخ النفسي -اختبار نفسي يتلخص في عرض مجموعة من الأشكال العشوائية على الأشخاص وتحليل شخصياتهم وعُقَدهم من خلال إجاباتهم أو ما يرونه في هذه الأشكال العشوائية- حيث المُشاهد هو الذي يحكم بوصف المعنى الدقيق للأشكال العشوائية التي يراها في بطاقات الاختبار.

وتُرافق موسيقى جونغ جاي-إل المُعدّلة ببراعة، التحوّلات النغمية في Parasite ، لتنتقل من أنغام البيانو الحزينة في المشاهد الأولى، مروراً بسيمفونية The Belt of Faith المُصغّرة، ووصولاً إلى الجنون الذي يخوض فيه الكورال الصوتي معركةً صاخبة من الألحان المثيرة. 

وبالتزامن مع تحوُّل الفيلم من المزاح إلى الرعب -في المشهد ذاته أحياناً- يلعب جونغ موسيقاه باستقامة في ظل الجنون المُسيطر، ليضمن تضخيم العاطفة بدلاً من تشويه المقطوعة الموسيقية.

أفضل وصفٍ لفيلم Parasite هو أنه قصة سوداوية، رغم أنها قصةٌ تستتر تحت طبقاتٍ مُتعددة من الابتكار في السرد والتصوير. وتُلعَب فيها الموسيقى بشكلٍ متناغم محسوب التأثير، بخلاف التجانس الشديد في سيناريو بونغ وشريكه هان جين-وون، لتصنع تحفةً فنية تراجيدية كوميدية ستُدغدغ مشاعرك.

المصدر

سمير يوسف

أول صحفى فى النمسا منذ سنة 1970 عمل فى الصحافة وعمره 18 سنة فى جريدة الجمهورية والمساء وحريتى ثم الجرائد الألمانية دير إشبيجل وفى النمسا جريدة الإخو تسليتومج لمدة عشرون عاما وفى سنة 1991 اصدر اول صحيفة باللغة العربية والألمانية وهى جريدة الوطن لمدة 11 سنة ، عمل مراسل جريدة الجمهورية والمساء فى النمسا لمدة 31 سنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى