تقارير وملفات إضافية

أرمينيا وأذربيجان تخوضان حرباً موازية في أمريكا؟ الكونغرس وآل كارداشيان مع الأرمن فمن يؤيد باكو وتركيا؟

حرب لوبيات بين أرمينيا وأذربيجان تدور رحاها في أوساط السياسية الأمريكية، يحاول فيها كلا طرف جذب موقف القوى الأعظم لناحيته.

ففي الوقت الذي تحتدم فيه الحرب بين أرمينيا وأذربيجان في جنوب القوقاز يتقاضى جيش من جماعات الضغط ملايين الدولارات للعمل حثيثاً على أن تنحاز الولايات المتحدة إلى هذا الجانب أو ذاك، حسبما ورد في تقرير لموقع Responsible Statecraft الأمريكي.

لا يعرف معظم الأمريكيين سوى القليل عن الصراع القديم الجديد بين الجمهوريتين اللتين كانتا تنتميان في السابق إلى الاتحاد السوفييتي، وهو الصراع الذي اندلع مرة أخرى في 27 سبتمبر/أيلول 2020، بعد انهيار اتفاقٍ لوقف إطلاق النار استمر العمل به لسنوات. ومع ذلك فإن لوبي وجماعات ضغط أذربيجانية وتركية ذات تمويل جيد تخوض حالياً مواجهة محتدمة مع لاجئي الشتات الأرميني ذوي التنظيم الجيد لدفع الولايات المتحدة إلى الاصطفاف بجانبها.

هذه المعارك أخذت تدفع لبروز نوعٍ من التناقض في موقف المؤسسات السياسية الأمريكية.

ففي حين يميل الكونغرس نحو أرمينيا، يواصل الفرع التنفيذي من الحكومة تحويل مئات الملايين من الدولارات كمساعدات عسكرية لأذربيجان.

في أعقاب صراع استمرّ لسنوات بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، سيطرت القوات الأرمينية على مقاطعة ناغورني قره باغ الأذربيجانية. وتجمّد الصراع منذ عام 1994، مع عقود من المفاوضات الدبلوماسية، تخللتها ردود فعل عنيفة بين الحين والآخر من طرفي التفاوض. غير أن القتال استؤنف على نطاق واسع الشهر الماضي، وتعهّد الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف باسترجاع قره باغ “سلماً أو حرباً”.

 ناشد كل طرف منهما الأمريكيين طلباً للمساعدة على مرّ السنين، خاصة أن الولايات المتحدة (إلى جانب فرنسا وروسيا) هي الدول التي رعت عملية السلام الدولية بين الطرفين، وتتولى رئاسة ما يُعرف بمجموعة “مينسك” -ضمن منظمة الأمن والتعاون في أوروبا- والتي تنهض بمساعي التوسط من أجل وضع حد للنزاع.

يقول المدير التنفيذي لـ”اللجنة القومية الأرمينية الأمريكية”، آرام هامبريان، لموقع Responsible Statecraft: “هناك طرف أكثر ديمقراطية من الطرف الآخر. ونفس الشيء فيما يتعلق بالفساد، والأمر ذاته ينطبق على الالتزام بعملية السلام”.

يختلف سفير أذربيجان في الولايات المتحدة، إلين سليمانوف، مع هذا الطرح الأرميني. وهو ما عبّر عنه في خطاب ألقاه يوم الخميس، 8 أكتوبر/تشرين الأول، أمام “المعهد اليهودي للأمن القومي الأمريكي”، قائلاً: “أرمينيا اليوم ليست إلا إحدى آخر بقايا الاتحاد السوفييتي. إنها ليست دولة مستقلة على الحقيقة. أما أذربيجان فلا تختلف من نواح كثيرة عن إسرائيل أو الولايات المتحدة”.

لطالما سعت أذربيجان إلى تصوير نفسها على أنها قاعدة أمامية مسلمة موالية للغرب ومؤيدة لإسرائيل وغنية بالنفط، في قلب مناطق الاتحاد السوفييتي السابق. وتحظى حملة العلاقات العامة الحالية بدعم وتمويلات ضخمة: فقد أنفقت الحكومة الأذرية ما يقرب من 1.3 مليون دولار على جماعات ضغط أمريكية، العام الماضي، بحسب ما كشفت عنه مجلة The American Conservative لأول مرة، في تقرير نشرته في 12 أكتوبر/تشرين الأول 2020.

أضف إلى ذلك، أن تركيا، وهي حليف وثيق لأذربيجان وخصم لأرمينيا، تتباهى أيضاً بأن لها عديداً من الأصدقاء في واشنطن، خاصة بين أصحاب المواقف المتشددة من روسيا، والذين يرون أن تركيا هي الحليف المتمركز في أقصى الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي (الناتو). وقد أنفقت الحكومة التركية نحو 3.6 مليون دولار على جماعات الضغط، العام الماضي، وفقاً لسجلات لائحة تسجل الوكلاء الأجانب في الولايات المتحدة (FARA).

على الجانب الآخر، لم تنفق أرمينيا دولاراً واحداً على جماعات الضغط عن الفترة الزمنية ذاتها، لكن بدلاً من ذلك عملت الجالية الأرمينية الأمريكية على “استغلال رأس المال الثقافي والاجتماعي والسياسي” الذي تراكم لديها على مدى عقود، كما يقول هامبريان، من اللجنة الأرمينية الأمريكية.

استعان الأرمن بمشاهير أمريكيين ذوي أصول أرمينية، مثل المغنية شير، وعائلة كارداشيان، وفرقة الروك “سيستم أوف دوان”، لتسليط الضوء على السردية الأرمينية لجذب التعاطف: أرمينيا دولة مستضعفة مظلومة، أمة من الناجين من الإبادة الجماعية الذين انتصروا على الإمبراطوريات الكبرى لتشكيل ديمقراطية شابة.

وعادة ما يحقق الأرمن نجاحاتهم الكبرى في الكونغرس، إذ تضم الكتلة المنحازة لأرمينيا في الكونغرس حالياً نحو 117 عضواً، مقارنة بنحو 101 عضو في الكتلة المؤيدة لتركيا، و26 عضواً فقط لكتلة أذربيجان.

هذا العام وحده، حصل اللوبي الأرميني الأمريكي على دعم للمساعدة في إزالة الألغام في قره باغ، إلى جانب مساعدات فيما يتعلق بالمراقبة الاستخباراتية على طول الحدود بين أذربيجان وقره باغ، وفي المقابل حققت أذربيجان نجاحاً أكبر بكثير على مستوى العلاقات مع السلطات التنفيذية الأمريكية.

تقيّد المادة 907 من قانون “دعم الحرية” لعام 1992 تقديمَ مساعدات عسكرية أمريكية لأذربيجان، ومع ذلك فإن الرئاسة الأمريكية تغض الطرف عن تجاوز هذه القيود سنوياً، منذ أحداث 11 سبتمبر/أيلول، وتستمر أذربيجان في تلقي أكثر من 100 مليون دولار سنوياً من المساعدات الأمنية الأمريكية، في حين لم تتلق أرمينيا أي شيء تقريباً في السنوات الأخيرة.

أحد أكبر الدوافع الأمريكية لدعم أذربيجان هو موقعها الجغرافي بين روسيا وإيران، وهو الموقع الذي أصبح ذا أهمية خاصة لما يسمى بـ”الحرب على الإرهاب”، لاسيما بعدما فتحت أذربيجان طريق إمدادات وعبور إلى أفغانستان للقوات الأمريكية.

كما سمحت أذربيجان لقوات إسرائيلية بالوصول إلى قواعدها -وهو أمر أثار قلق المراقبين العسكريين الأمريكيين المعنيين باشتعال حرب إيرانية إسرائيلية- وفي الوقت نفسه دأبت على اتهام إيران بدعم وقوع هجمات إرهابية على الأراضي الأذربيجانية.

إسرائيل، نظيراً لذلك، تشتري النفط من أذربيجان وتبيع أسلحة لها، وكانت القوات الأذربيجانية استعانت بـ”طائرات مسيّرة انتحارية” إسرائيلية الصنع، من طراز هاروب، ضد القوات الأرمينية خلال العمليات الأخيرة، وهو ما أثار استياء شديداً في أرمينيا.

يستخدم اللوبي الأذربيجاني هذه العلاقة لتسخير طاقات اللوبي المؤيد لإسرائيل لصالحه، وهكذا تلقى السفير الأذربيجاني سليمانوف، دعوة للتحدث يوم الخميس 8 أكتوبر/تشرين الأول، من طرف مؤسسة فكرية يمنية مؤيدة لإسرائيل، وهي الكلمة التي أولت اهتماماً خاصاً للعلاقة بين إسرائيل وأذربيجان.

وفي كلمته، أكد سفير أذربيجان في الولايات المتحدة أن بلاده لديها “أكبر جالية يهودية في العالم الإسلامي”، وشبّه مراراً دعاية أرمينيا وتكتيكاتها العسكرية بتلك المستخدمة ضد إسرائيل، وقد بدا خطابه موضع ترحيب من الحاضرين.

ومع ذلك، حذّر مدافعون عن الأرمن، مثل هامبريان، نظراءهم المؤيدين لإسرائيل من أن تركيا أيضاً كان يُنظر إليها ذات يوم على أنها دولة مسلمة حليفة لإسرائيل، إلا أنها انقلبت عليها منذ فترة ليست بالقليلة.

لكن، فيما يتعلق بالوقت الحالي، يواصل اللوبي الأذربيجاني اعتماده على اللوبي المؤيد لإسرائيل لدعم أجندته.

الآن، وقد اندلع العنف مرة أخرى، أصبحت جهود الضغط الأذربيجانية والأرمينية أشد إلحاحاً.

من جهة أخرى، كشف موظف يعمل في طاقم عضو تقدمي في الكونغرس وطلب عدم ذكر اسمه، عن رسائل بريد إلكتروني تلقاها مكتبه خلال الأيام القليلة الماضية، ومنها رسائل من “غرفة التجارة الأمريكية الأذربيجانية” ومن السفارة التركية في واشنطن، تدعم “وحدة أراضي أذربيجان”، في حين تطالب رسالة بريد إلكتروني أرسلتها “اللجنة القومية الأرمينية الأمريكية” بفرض “عقوبات قاسية” ضد أذربيجان.

وجاءت الاستجابة لتلك النداءات على نحو يمكن توقع مساره خلال الأسابيع القليلة الماضية، ففي حين ندَّد أعضاء من كلا الحزبين في مجلسي الشيوخ والنواب بأعمال أذربيجان العسكرية، ودعوا إلى إنهاء المساعدات العسكرية لأذربيجان، فإن وزارة الخارجية الأمريكية لم تنظر بعين الرضا إلى تلك الفكرة.

وصرّح وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، للصحفيين في 2 أكتوبر/تشرين الأول، قائلاً: “لقد حثثنا الجميع على البقاء بعيداً عن التورط في هذا الأمر، بخلاف العمل على الدفع باتجاه وقف لإطلاق النار، وأن يكون الحوار هو المنهجية التي من خلالها يُستعاد النظام والسلام، لقد أبلغنا هذه الرسالة بالتأكيد لكل من القادة الأذريين والأرمن والأتراك أيضاً”.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى