كتاب وادباء

أتوشك القرى أن تخرب وهى عامرة…؟

أتوشك القرى أن تخرب وهى عامرة…؟

بقلم الأديب والمحلل السياسى 

السعيد الخميسى k

السعيد الخميسى 

* سئل الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أتوشك القرى أن تخرب وهى عامرة..؟ قال : ” إذا علا فجارها أبرارها . ” يقول صاحب  ” المنطلق ” معلقا :  “إن علو الفجار على الأبرار سبب الاضطراب والخراب . يعلو الفاجر فيولى أمثاله الأمور ولاينفك كل فاجر أن يكون أسير شهواته فيطيع قلبه ويعيش فى غفلة عن ارتياد مافيه منافع قومه , ثم يكون أسير مصالحه فيظلم ويشتط ويتعسف فتهدر بالتالي طاقات كبيرة  . وتتوارى  الكفايات تطلب لنفسها الستر . ستر عرضها من الاعتداء , وبدنها من العذاب . ويعود لايتصدى لأمور الأمة إلا كل جاهل أناني , فيعم الاضطراب الاجتماعي , ثم بعده الخراب الاقتصادي والمدني والعلمي . إذا تمادى الفاجر فى فجوره , وتمادى الأبرار فى خوفهم وجبنهم وسكوتهم وقعودهم عن النهى عن المنكر , اشتد غضب الله . فإذا غضب , عم وشمل غضبه الفجار بما فجروا وظلموا , والأبرار بما سكتوا وتقاعسوا ورضوا بالمذلة . ” قال الله تعالى : واتقوا فتنة لاتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة . وجاء فى الحديث أنهلك يارسول الله وفينا الصالحون ..؟ قال : نعم إذا كثر الخبث. وما أكثر الخبث فى زماننا هذا .

* إن تضخم وانتشار جرثومة الفساد السياسي فى وطننا هى سبب كل مانحن فيه من كوارث اقتصادية وأخلاقية وتعليمية . ولو جد الناصح الأمين الذي يقول للفاسد أنت فاسد , وللمجرم أنت مجرم , وللمزور أنت مزور , ماكان هذا شان بلادنا . فللأسف يسرق السارق , ويقتل القاتل , ويزور المزورون بلا حساب أو عقاب . . بل إن شئت فقل لو وجد جهاز رقابة ومحاسبة كامل الصلاحية وليس أمامه ولا وراءه ولاعن يمينه ولاعن يساره إشارات حمراء  ليحاسب كل هولاء على ما ارتكبوا فى حق الوطن , ماتردت أحوالنا وماتخلف وطننا , وما وصلنا إلى حافة الهاوية فى كل مرافق الحياة . وكأنى بشرائح كثيرة من الشعب يرفعون شعار :” وأنا مالى , هو أنا سأصلح الكون..! “ ولايدرى هولاء أن العذاب إذا نزل فانه يصيب كل المجتمع , مثل شرار النار لايبقى ولايذر . فأين النجاة ياقومنا .
* يقول فضيلة العلامة الفقيه الشيخ محمد الغزالي عليه رحمة الله : ” الفساد السياسي مرض قديم فى تاريخنا , هناك حكام حفروا خنادق بينهم وبين جماهير الأمة لأن أهواءهم طافحة وشهواتهم جامحة لايؤتمنون على دين الله ولا دنيا الناس . ومع ذلك عاشوا آمادا طويلة . وقد عاصرت حكاما تدعو عليهم الشعوب ولا تراهم إلا حجارة على صدرها توشك أن تهشمه , انتفع بهم الاستعمار الشرقي والغربي على سواء فى منع الجماهير من الأخذ بالإسلام والاحتكام إلى شرائعه .  بل انتفع بهم فى إفساد البيئة حتى لاتنبت فيها كرامة فردية ولا حرية اجتماعية أيا كان لونها . ” هكذا شخص الغزالى مرض الأمة وسبب نكبتها وتخلفها عن ركب الحضارة والتقدم .

* إن انتشار ثقافة التقاعس ومواجهة الفساد المستشري فى مرافق ومؤسسات الدولة لهو نذير شؤم يهدد بتقويض صرح الوطن وهدم أركانه لاقدر الله . لقد فشلت ثورة يناير فى استرداد أموال الشعب المهربة والتي تقدربالمليارت فى بنوك أوروبا وغيرها , والسبب انه ليس هناك نية جادة فى محاسبة نظام جثم كالصخرة السوداء على أنفاس الشعب طيلة ثلاثين سنة كاملة . ولو صدقت النوايا وسلمت من الالتواء والاعوجاج والانحراف , لاسترددنا تلك المليارات المنهوبة من دماء هذا الشعب البائس الفقير . تشكل اللجان لجنة تلو اللجنة والنتيجة هو صفر المونديال فلا الأموال استردوها ولاهم حتى اقنعوا الشعب بأنهم جادين فى ملاحقتهم للفاسدين والشعب هو الضحية لاحول له ولاقوة . فمن يحاسب من .. ومن يلاحق من..؟ لاندرى ….!.

* يقول الراحل الدكتور المستشار  “على جريشة ” عليه رحمة الله وهو يشخص سبب الفساد فى مجتمعاتنا : ” إن الإسلام الذي بين أيدينا هو ذلك الدين الكامل وتلك النعمة التامة , لكن الكثير منا اتبع ما أسخط الله وكره رضوانه . الكثير منا أعرض عن النو ر.. وارتضى الظلام . أعرض عن الطهر.. وارتضى الرجس . أعرض عن الكمال .. وارتضى القصور والنقص , وارتضى معه الجهل والفتنة والهوى . فتحللنا من كثير من عقيدتنا وأشركنا مع الله الدرهم والدينار والريال والملك والرئيس وصاحب العزة , حين ابتغينا عندهم الرزق والتمسنا عندهم الجاه , أو اعتقدنا فيهم قضاء الحاجة أو بلغنا فى حبهم حب الله أو زيادة . وتحللنا من كثير من أخلاقنا حيت تركنا الأمانة إلى الخيانة. والصدق إلى الكذب . والوفاء إلى الغدر . والعفة إلى الرجس  . والحياء إلى الفجور . ” إن مشكلتنا فى الأساس هى مشاكل أخلاقية أدت الى تدهور أحوالنا فى كل مناحى الحياة .
* إن هناك شرائح كثيرة من الناس تعشق الجدل وتدافع عن الباطل والحق بين وواضح وجلي وضوح الشمس فى كبد النهار . إنهم يخلعون الحق من جذوره ويزرعون مكانه الباطل لأنهم لهم مآرب أخرى من وراء هذا الباطل , ومن انتشار الفساد . إنهم يجيشون من أجله الجيوش , ويجندون من اجله الأقلام , ويستأجرون من أجله الألسنة , ويؤسسون من أجله مراكز عالمية ممولة للصحافة والإعلام . إن الذي يريد الحق والتعرف عليه يكفيه دليل واحد  . والذي يريد الباطل ويعشق الهوى لن يكفيه ألف دليل . إن الفساد فى أوطاننا ليس مجرد فساد أفراد وأشخاص , بل فساد مؤسسات عميقة انتفخت بطونها وعلت كروشها وامتلأت بنوكها من دماء الشعب المطحون تحت عجلات الفقر والفاقة . إننا جميعا فى سفينة واحدة وسط أمواج عاتية مضطربة , فإذا نجونا نجونا جميعا إذا هلكنا  هلكنا جميعا لاقدر الله .  أفيقوا ياقومنا فسنن الله فى الكون لاتحابى أحد  لأنه ليس بين الله وأحد من خلقه نسبا وصهرا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى